يحيي بن حمزة العلوي اليمني

67

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

شريفة إلا حازها وحصّلها ، ومن أعجب ما فيه أنه مشتمل على هذه الأسرار بألفاظه ، ولو حذفت واحدة منها أخللت بمعناها الذي جاءت من أجل الدلالة عليه . المثال الرابع : ما أثر في ذلك من كلام البلغاء . فمن ذلك ما كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون ، وكان واليه على عماله بعد لقائه بعيسى بن ماهان وهزمه لعسكره وقتله إياه ، فكتب إلى المأمون يخبره بما كان منه في ذلك فقال : « كتابي إلى أمير المؤمنين ورأس عيسى ابن ماهان بين يدي وخاتمه في يدي ، وعسكره مصرّف تحت أمرى والسلام » . وهذا من عجائب الإيجاز وبليغ الاختصار التي حوت المطلوب ، وحازت المقصود . ولما أرسل المهلّب بن أبي صفرة أبا الحسن المدائني إلى الحجاج بن يوسف يخبره أخبار ما هو عليه في ولايته فقال له الحجاج : « كيف تركت المهلّب » فقال له : « أدرك ما أمّل ، وأمن مما خاف » فقال : « كيف هو تجده بجنده » . فقال : والد رؤوف ، فقال : « كيف جنده » له فقال : « أولاد بررة » ، قال : « كيف رضاهم عنه » . فقال : « وسعهم بفضله ، وأغناهم بعدله » ، قال : « كيف تصنعون إذا لقيتم العدو » . قال : « نلقاهم بجدنا ويلقونا بجدهم » قال : « كذلك الجد إذا لقى الجد » . قال : « فأخبرني عن بنى المهلب » قال : « هم أحلاس القتال بالليل حماة السّرح بالنهار » ، قال : « أيهم أفضل » . قال : « هم كحلقة مبهمة مضروبة لا يعرف طرفاها » قال الحجاج لجلسائه : « هذا والله الكلام الفصل الذي ليس بمصنوع ولا متكلف » . المثال الخامس : ما ورد من الأبيات الشعرية . وهذا كقول أبى نواس في صفة الخمر في أوعيتها « 1 » : تدار علينا الراح في عسجدية * حبتها بأنواع التصاوير فارس قرارتها كسرى وفي جنباتها * مها تدّريها بالقسىّ الفوارس فللراح ما زرّت عليها جيوبها * وللماء ما دارت عليه القلانس فما هذا حاله من الشعر الفائق والنظم الجيد الرائق . وحكى عن الجاحظ أبى عثمان أنه قال : « لا أعرف شعرا يفضل هذه الأبيات لابن هانئ ، ولقد أنشدتها أبا شعيب القلال ، فقال : والله يا أبا عثمان إن هذا هو الشعر الذي لو نقر لطنّ ، ومهما حركت أو تار نغماته لحنّ » . وحسبك به إعجابا اعتراف الجاحظ بحسنه ، فإنه الماهر في البلاغة والخريت في

--> ( 1 ) الأبيات لأبى نواس في ديوانه ص 283 ، 284 ، وفي رواية الديوان « تدور علينا الكأس » ، « فللخمر ما زرت عليه جيوبهم » .